عماد الدين خليل
67
المستشرقون والسيرة النبوية
الدعوة الإسلامية جاءت لكي تقلب مواضعات الحياة المكية ، بما فيها الاقتصادية ، رأسا على عقب . وحول الرواية المعروفة التي يوردها الطبري وابن هشام وغيرهما ، والتي تتحدث عن اجتماع الزعامة القرشية لاتخاذ موقف نهائي من الرسول صلى اللّه عليه وسلم قبيل هجرته إلى المدينة ، يثير ( وات ) شكّا جديدا : إن النية لم تنعقد على قتل محمد ، ويستبدل بذلك - كعادته - افتراضا يراه ، وهو أن محمدا ربما يكون قد رجم في مكة ذاتها بعد الاجتماع ، وهو يطرح المسألة بالشكل التالي : « ليس هناك داع للشك بأنّ هذا الاجتماع قد عقد ، وأن الحاضرين أدركوا أن محمدا يهيّئ مشاريع معادية لهم ، كما يقول ابن إسحاق ، وتوضح الحوادث التي وقعت فيما بعد بأن النية لم تنعقد على قتل محمد ، لأنّ الاتفاق على ذلك لن يكون بالاجتماع كما تؤكده المصادر ، ولربما كان وقوع الخطر يهدد محمدا وأتباعه برحيل محمد ، ومن الصعب التأكّد من طبيعة الخطر الذي كان يهدد محمدا وأتباعه ، فلقد أضيفت أشياء كثيرة على قصة الهجرة لتجميلها ، حتى إن المصادر الأولى نفسها لم تخل من الإضافات ، ولا يستبعد أن يكون محمد قد رجم في مكة ذاتها بعد الاجتماع » « 1 » . 4 إن ( وات ) الذي يعتمد - أحيانا - إثارة الشك في الواقعة التاريخيّة ، أو نفيها إذا اقتضى الأمر ، يسعى ، بالاتجاه النقدي المبالغ فيه نفسه ، إلى ما يقابل هذا ولا يقلّ عنه سوآ : افتراض وقائع أو استنتاجات معيّنة قد لا تدعمها حقائق السيرة ووقائعها ، بل إنه يؤكد صدق رواية ضعيفة أو واقعة مدخولة ليس لها ما يؤيدها في حالة عرضها على التيار العام المتوحّد لتلك الحقائق والوقائع .
--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه ، ص 237 .